أحمد بن محمد القسطلاني

291

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

- رضي الله عنه - ، فقد ذكر ابن إسحاق أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في يوم بدر خفق خفقة ثم انتبه فقال : " أبشر يا أبا بكر هذا جبريل عليه السلام آخذ بعنان فرسه يقوده على ثناياه الغبار " . وقد سبق الحديث في باب شهود الملائكة بدرًا بسنده ومتنه لكن بلفظ قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يوم بدر بدل قوله هنا يوم أُحُد وهو الصواب المعروف لا يوم أُحُد ، ولذا سقط من رواية أبي ذر وغيره من المتقنين ولم يثبت إلا في رواية أبي الوقت والأصيلي ولعله وهم من راو أو ناسخ والله أعلم . 4042 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ عَدِيٍّ أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ حَيْوَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ أَبِي الْخَيْرِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ : صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ بَعْدَ ثَمَانِي سِنِينَ كَالْمُوَدِّعِ لِلأَحْيَاءِ وَالأَمْوَاتِ ثُمَّ طَلَعَ الْمِنْبَرَ فَقَالَ : « إِنِّي بَيْنَ أَيْدِيكُمْ فَرَطٌ ، وَأَنَا عَلَيْكُمْ شَهِيدٌ ، وَإِنَّ مَوْعِدَكُمُ الْحَوْضُ وَإِنِّي لأَنْظُرُ إِلَيْهِ مِنْ مَقَامِي هَذَا وَإِنِّي لَسْتُ أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا ، وَلَكِنِّي أَخْشَى عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا أَنْ تَنَافَسُوهَا » . قَالَ : فَكَانَتْ آخِرَ نَظْرَةٍ نَظَرْتُهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وبه قال : ( حدّثنا محمد بن عبد الرحيم ) صاعقة قال : ( أخبرنا زكريا بن عدي ) أبو يحيى الكوفي قال : ( أخبرنا ابن المبارك ) عبد الله ( عن حيوة ) بن شريح الحضرمي الكندي ( عن يزيد بن أبي حبيب ) سويد المصري ( عن أبي الخير ) مرثد بن عبد الله ( عن عقبة بن عامر ) الجهني - رضي الله عنه - أنه ( قال : صلّى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على قتلى أُحُد بعد ثماني ) بالياء بعد النون ولابن عساكر : ثمان ( سنين ) فيه تجوّز لأن وقعة أُحُد كانت في شوال سنة ثلاث ووفاته - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في ربيع الأول سنة إحدى عشرة وحينئذ فتكون بعد سبع سنين ودون النصف فهو من باب جبر الكسر . زاد في الجنائز كغزوة أُحُد صلاته على الميت ، والمراد أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دعا لهم بدعاء صلاة الميت والإجماع يدل له لأنه لا يصلّي عليه عند الشافعية ، وعند أبي حنيفة المخالف لا يصلّي على القبر بعد ثلاثة أيام ( كالمودّع للأحياء والأموات ثم طلع ) بفتح اللام في الفرع ( المنبر فقال ) : ( إني بين أيديكم فرط ) بفتح الفاء والراء ، وزاد في الجنائز لكم كغزوة أُحُد أي أنا سابقكم إلى الحوض كالمهيئ له لأجلكم وفيه إشارة إلى قرب وفاته ( وأنا عليكم شهيد ) بأعمالكم ( وأن موعدكم ) يوم القيامة ( الحوض وإني لأنظر إليه ) نظرًا حقيقيًا بطريق الكشف ( من مقامي هذا ) بفتح ميم مقامي الأولى ( وإني لست أخشى عليكم أن تشركوا ) بالله . زاد في الجنائز كالآتي آخر غزوة أُحُد بعدي أي لست أخشى على جميعكم الإشراك بل على مجموعكم لأن ذلك قد وقع من بعضهم ( ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوها ) بإسقاط إحدى التاءين أي ترغبوا فيها ( قال ) عقبة : ( فكانت آخر نظرة نظرتها إلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) . وقد سبق هذا الحديث في الجنائز في باب الصلاة على الشهيد . 4043 - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الْبَرَاءِ - رضي الله عنه - قَالَ : لَقِينَا الْمُشْرِكِينَ يَوْمَئِذٍ وَأَجْلَسَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَيْشًا مِنَ الرُّمَاةِ وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ وَقَالَ : « لاَ تَبْرَحُوا إِنْ رَأَيْتُمُونَا ظَهَرْنَا عَلَيْهِمْ فَلاَ تَبْرَحُوا وَإِنْ رَأَيْتُمُوهُمْ ظَهَرُوا عَلَيْنَا فَلاَ تُعِينُونَا » فَلَمَّا لَقِينَا هَرَبُوا حَتَّى رَأَيْتُ النِّسَاءَ يَشْتَدِدْنَ فِي الْجَبَلِ رَفَعْنَ عَنْ سُوقِهِنَّ قَدْ بَدَتْ خَلاَخِلُهُنَّ فَأَخَذُوا يَقُولُونَ : الْغَنِيمَةَ الْغَنِيمَةَ ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُبَيرٍ : عَهِدَ إِلَيَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ لاَ تَبْرَحُوا فَأَبَوْا فَلَمَّا أَبَوْا صُرِفَ وُجُوهُهُمْ فَأُصِيبَ سَبْعُونَ قَتِيلاً وَأَشْرَفَ أَبُو سُفْيَانَ فَقَالَ : أَفِي الْقَوْمِ مُحَمَّدٌ ؟ فَقَالَ : « لاَ تُجِيبُوهُ » ، فَقَالَ : أَفِي الْقَوْمِ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ ؟ قَالَ : « لاَ تُجِيبُوهُ » ، فَقَالَ : أَفِي الْقَوْمِ ابْنُ الْخَطَّابِ ؟ فَقَالَ : إِنَّ هَؤُلاَءِ قُتِلُوا فَلَوْ كَانُوا أَحْيَاءً لأَجَابُوا فَلَمْ يَمْلِكْ عُمَرُ نَفْسَهُ ، فَقَالَ : كَذَبْتَ يَا عَدُوَّ اللَّهِ أَبْقَى اللَّهُ عَلَيْكَ مَا يُحْزِنُكَ ، قَالَ أَبُو سُفْيَانَ : أُعْلُ هُبَلْ ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : « أَجِيبُوهُ » قَالُوا : مَا نَقُولُ ؟ قَالَ : « قُولُوا اللَّهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ » قَالَ أَبُو سُفْيَانَ : لَنَا الْعُزَّى وَلاَ عُزَّى لَكُمْ ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : « أَجِيبُوهُ » قَالُوا : مَا نَقُولُ ؟ قَالَ : « قُولُوا اللَّهُ مَوْلاَنَا وَلاَ مَوْلَى لَكُمْ » قَالَ أَبُو سُفْيَانَ : يَوْمٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ وَالْحَرْبُ سِجَالٌ وَتَجِدُونَ مُثْلَةً لَمْ آمُرْ بِهَا وَلَمْ تَسُؤْنِي . وبه قال : ( حدّثنا عبيد الله ) بضم العين ( ابن موسى ) بن باذام الكوفي ( عن إسرائيل ) بن يونس ( عن ) جده ( أبي إسحاق ) عمرو بن عبيد الله السبيعي ( عن البراء ) بن عازب ( - رضي الله عنه - ) أنه ( قال : لقينا المشركين يومئذ ) أي يوم أُحُد وكانوا ثلاثة آلاف رجل ومعهم مائتا فارس ، وجعلوا على الميمنة خالد بن الوليد ، وعلى الميسرة عكرمة بن أبي جهل ، وعلى الخيل صفوان بن أمية أو عمرو بن العاص ، وعلى الرماة عبد الله بن ربيعة ، وكان فيهم مائة رام وكان المسلمون مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سبعمائة وفرسه عليه الصلاة والسلام وفرس أبي بردة بن نيار ( وأجلس النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) بفتح الهمزة واللام ( جيشًا من الرماة ) بضم الراء بالنبل وكانوا خمسين رجلاً ( وأمّر ) بتشديد الميم ( عليهم عبد الله ) بن جبير بن النعمان أخا بني عمرو بن عوف ( وقال ) : ( لا تبرحوا ) من مكانكم ، وفي رواية زهير في الجهاد حتى أرسل إليكم . وعند ابن إسحاق فقال : انضح الخيل عنا بالنبل لا يأتوننا من خلفنا إن كانت لنا أو علينا فاثبت مكانك ( إن رأيتمونا ظهرنا عليهم ) غلبناهم ( فلا تبرحوا ) من مكانكم ( وإن رأيتموهم ) يعني المشركين ( ظهروا علينا فلا تعينونا ) . وعن ابن سعد في الطبقات : وكان أول من أنشب الحرب بينهم أبو عامر الفاسق طلع في خمسين من فومه فنادى : أنا أبو عامر ، فقال المسلمون : لا مرحبًا بك ولا أهلاً يا فاسق ، فقال : لقد أصاب قومي بعدي شر ، ومعه عبيد قريش فتراموا بالحجارة هم والمسلمون حتى ولى أبو عامر وأصحابه ، وجعل نساء المشركين يضربن بالدفوف والغرابيل ويحرضن ويذكرنهم قتلى بدر ويقلن :